5 يونيو، 2026

ماذا لو اختفت الكاميرات؟ كيف كنا سنحفظ ذكرياتنا؟

0

بقلم: محمد جلال الدين

تخيّل أن تستيقظ في صباحٍ خريفي، تمدُّ يدك نحو هاتفك لتلتقط وهج الشمس وهو يداعب فنجان قهوتك، فتجد فراغاً. لا تطبيق، لا عدسة، لا “مستشعر” يترجم الضوء إلى بكسلات. لقد اختفت الكاميرات من الوجود. العالم لم يتغير في تفاصيله، لكنّ “الأداة” التي اعتدنا أن نرى العالم من خلالها تبخرت. في تلك اللحظة، ستواجه الحقيقة العارية: أنت الآن وحيدٌ تماماً مع ذاكرتك.

1. الذاكرة حين كانت “صناعة يد”

قبل أن يحبس الإنسان الزمن داخل إطار أسود صغير، كان الحفاظ على الذكرى فعلاً مقدساً يتطلب جهداً. لم يكن البشر أقل حنيناً للماضي، بل كانوا أكثر استثماراً فيه. كان الرسم هو الكاميرا الأولى، حيث لم يكن الهدف “توثيق” الفريسة على جدار الكهف، بل استحضار هيبتها.

وفي تراثنا العربي، كان الشعر هو “الألبوم” الذي لا يبليه الزمن؛ فقصيدة واحدة كانت كفيلة بأن تجعلك تشم رائحة “الأطلال” وتسمع صهيل الخيول في معارك مضت عليها قرون. الفرق الجوهري هنا أن الكلمة والريشة لا تنقلان “الشكل”، بل تنقلان “الشعور” الذي تركه الشكل في وجدان صاحبه.

2. مفارقة العدسة: نحن نصوّر لننسى!

يحدثنا علم النفس عن ظاهرة تُسمى “تأثير نقل الذاكرة” (Memory Impairment Effect). نحن، دون أن نشعر، نُعفي أدمغتنا من مهمة الانتباه بمجرد أن نضغط زر التصوير؛ فالعقل يتكل على “الجهاز” ليتذكر نيابة عنه.

لو اختفت الكاميرات، سنُجبر على “التركيز” مرة أخرى. سننظر إلى وجوه أحبائنا بتمعن أكبر، لنحفر تفاصيل تجاعيد الضحكة في ذاكرتنا الحية لا في السحابة الإلكترونية. سنكتشف أن الذاكرة البشرية ليست أرشيفاً بارداً، بل هي قاصٌّ ماهر، يعيد صياغة الحكاية في كل مرة لتناسب دفء الحاضر.

3. عودة “سلطنة” الحكي واليوميات

في عالم بلا كاميرات، سيعود لـ الكلمة عرشها المفقود. ستتحول “اليوميات” من رفاهية للمثقفين إلى ضرورة للبقاء الوجداني. سنكتب لنصف بريق العينين الذي عجزنا عن تصويره، وسنحكي لأطفالنا عن “جمال الجدة” بكلمات تجعل خيالهم يرسم ألف صورة وصورة، كل واحدة منها أجمل من الحقيقة.

سيعود الحكي الشفهي ليصبح طقساً عائلياً؛ فالقصة التي تروى تنبض وتتنفس، بينما الصورة الفوتوغرافية، برغم دقتها، تظل جثةً هامدة للحظة ماتت.

4. هل سنفقد أرواح الراحلين؟

لا يمكن إنكار الجانب الموجع؛ فالكاميرا هي سلاحنا الوحيد ضد الفناء. هي التي تُبقي وجوه الذين غادرونا قريبة، وتمنحنا وهم السيطرة على الزمن. بدونها، ستصبح الذكريات أكثر هشاشة، كعطر يتبخر مع الوقت.

لكن، ربما هذا هو الدرس الأسمى: أن قيمة اللحظة تكمن في عبورها. إن محاولتنا المستمرة لتجميد الزمن بالصور قد أفقدتنا لذة العيش في “الآن”. غياب الكاميرا سيعلمنا أن الأمانة في حفظ الذكرى لا تكون بتخزينها في “ذاكرة خارجية”، بل بجعلها جزءاً من نسيج أرواحنا.

الخاتمة: ما وراء الإطار

لو اختفت الكاميرات غداً، لن يضيع العالم. بل ربما، وللمفارقة، سنراه لأول مرة بوضوح. سندرك أن أعظم الصور هي تلك التي لم نلتقطها أبداً، لأننا كنا مشغولين جداً بعيشها. تلك اللحظات التي تسكن “ما بين الصدر والحلق”، والتي لا تحتاج إلى “فلاش” لتضيء، لأن نورها ينبع من الداخل.

تذكر دائماً: الكاميرا تحفظ الوجه.. والقلب يحفظ الروح.

كتبه محمد جلال الدين نتحدث عن اللقطة ماذا لو اختفت الكاميرات؟ كيف كنا سنحفظ ذكرياتنا؟


اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

يسعدنا ويشرفنا مرورك وتعليقكإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading