كتب : طاهر درويش
لم تعد الأسرة المصرية بحاجة إلى البحث طويلًا عن مشاهد أو ألفاظ غير لائقة على شاشات الهواتف والمنصات الرقمية، فبعضها بات حاضرًا على شاشة التلفزيون وفي الأعمال الدرامية التي تدخل البيوت يوميًا دون استئذان.
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول ما يعتبره كثيرون انحدارًا ملحوظًا في مستوى الخطاب الدرامي، بعد أن أصبحت بعض المسلسلات والأفلام تعتمد على ألفاظ خادشة للحياء، وإيحاءات لا تتناسب مع طبيعة الأسرة المصرية، ومشاهد عنف وممارسات سلوكية تُقدَّم أحيانًا باعتبارها جزءًا من “الواقعية” أو انعكاسًا لحياة الشارع.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين اختفت الرقابة على المصنفات الفنية؟ وهل تخلت المؤسسات المعنية عن دورها في حماية الذوق العام؟
في الواقع، لا تزال الأعمال الدرامية تخضع لرقابة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية التابع لوزارة الثقافة، كما يراقبها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من خلال الأكواد والمعايير المهنية المنظمة للمحتوى المعروض. إلا أن فلسفة الرقابة نفسها تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد قائمة على المنع الكامل والحذف المباشر، بل اتجهت نحو نظام “التصنيف العمري” الذي يمنح صناع الأعمال مساحة أوسع من حرية التعبير، مع الاكتفاء بوضع تحذيرات للمشاهدين قبل العرض.
ويرى المدافعون عن هذا التوجه أن الدراما يجب أن تعكس الواقع كما هو، وأن بعض البيئات الشعبية تحمل بالفعل مفردات قاسية وأسلوب حياة مختلفًا، وأن تجميل الواقع أو تقديمه بصورة مثالية يفقد العمل مصداقيته.
لكن هذا الطرح يواجه انتقادات واسعة من كتاب ونقاد وجمهور يرون أن الواقعية لا تعني نقل كل ما هو سلبي أو مبتذل، وأن مهمة الفن لا تقتصر على عكس الواقع، بل تهذيبه والارتقاء به. فالفارق كبير بين تقديم ظاهرة اجتماعية بهدف نقدها، وبين تحويل الألفاظ الخارجة والإيحاءات إلى وسيلة سهلة لجذب المشاهدات وإثارة الجدل.
وتشير مناقشات متكررة بين الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تنامي حالة الاستياء من اعتماد بعض الأعمال على “الفتونة” والعنف والحوارات الصادمة باعتبارها وصفة مضمونة للنجاح، وسط شعور متزايد بأن جزءًا من الدراما أصبح بعيدًا عن اهتمامات الأسرة المصرية وقيمها.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته المنصات الرقمية في تغيير شكل الصناعة، إذ لم تعد الأعمال الدرامية حبيسة الموسم الرمضاني أو خاضعة بالكامل لقيود الشاشة التلفزيونية التقليدية، وهو ما منح بعض المنتجين مساحة أكبر لتقديم محتوى أكثر جرأة، مستندين إلى أن المشاهدة اختيارية وأن التصنيف العمري كافٍ لحماية الفئات الأصغر سنًا.
غير أن منتقدي هذا التوجه يشيرون إلى أن فكرة التصنيف العمري تفقد كثيرًا من فعاليتها داخل المجتمع المصري، حيث تشاهد الأسر الأعمال الدرامية مجتمعة، كما أن الأطفال والمراهقين يمتلكون اليوم هواتف ذكية تتيح لهم الوصول إلى أي محتوى بسهولة، ما يجعل مسؤولية صناع الدراما أكبر من مجرد وضع تنبيه صغير قبل بداية الحلقة.
وفي خضم هذا الجدل، أعاد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تشكيل لجنة الدراما لمتابعة جودة الأعمال المعروضة ومناقشة التحديات التي تواجه الصناعة، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن حرية الإبداع مكفولة، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية المجتمعية والقيم المهنية.
تبقى الحقيقة الأهم أن الفن كان دائمًا مرآة للمجتمع، لكنه لم يكن يومًا نسخة حرفية من أسوأ ما فيه. فالدراما المصرية التي صنعت وجدان أجيال كاملة لم تحقق مكانتها بالألفاظ الصادمة أو المشاهد المثيرة للجدل، بل بقوة النص، وعمق الشخصيات، والقدرة على مناقشة القضايا الشائكة دون التخلي عن الذوق العام.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تطور طبيعي في لغة الدراما وأساليبها؟ أم أن السعي وراء نسب المشاهدة والمنافسة على منصات العرض دفع بعض صناع المحتوى إلى تجاوز الخط الفاصل بين الجرأة الفنية والإسفاف؟
اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
