تليفزيونفنون

موسم حرق بلاتوهات التصوير.. وخبير خدع سينمائية يوضح .. احنا شغالين بعقلية القرن الماضي

كتب :  محمد خضير

لم تعد حوادث حرائق بلاتوهات وورش التصوير واقعة عابرة أو حادثًا فرديًا يمكن تجاوزه بالتبرير المعتاد: “ماس كهربائي” أو “سبب مجهول” بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة مقلقة تضرب قلب الصناعة الفنية في مصر، وتضع صناع الدراما والسينما أمام خسائر مادية وفنية باهظة، وتهديد مباشر لاستقرار عجلة الإنتاج.

كان آخر هذه الكوارث حريق ستديو مصر قبل أيام قليلة، في لوكيشن تصوير مسلسل “الكينج” الذي يقوم ببطولته الفنان محمد إمام، وهو حادث جاء ليعيد فتح ملف ممتد من الحرائق التي التهمت مواقع تصوير، وأوقفت أعمالاً، وكادت تُسقط صروحًا تاريخية وعتادًا فنياً لا يُقدّر بثمن.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها ستديو مصر للحريق، ففي عام 2010 شبّت النيران داخل وحدة مونتاج، فالتهمت كاميرات تصوير وملابس وإكسسوارات قدرت بنحو 4 ملايين جنيه، وتم الدفع بـ 20 سيارة إطفاء و 4 سيارات إسعاف للسيطرة على الحريق الذي استغرق ساعات. يومها، كان فريق فيلم “كلمني شكرًا” يستعد للتصوير حين فوجئ الجميع بالنيران تتسلل من بين الأسلاك الكهربائية.

أما إذا عدنا للوراء، فالتاريخ يسجل واحدة من أعنف الكوارث في يوليو 1950 حين احترق معمل ستديو مصر بالكامل، والتهمت النيران ستة أفلام كاملة تمت إعادة تصويرها لاحقًا، وبعد عام تقريبًا، كاد القضاء على فيلم “ابن للإيجار” ، وقبل أن يبدأ المخرج حلمي رفلة تصوير أحد مشاهد بدقيقة واحدة ، شبت النيران في بلاتوه رقم 3 ، بسبب احتكاك فى الأسلاك الكهربائية ، لتشتعل النيران في أثاث المشهد وكان عبارة عن حجرة نوم كاملة، ويقف فيها الفنانون محمد فوزي وتحية كاريوكا وليلى فوزي.

أسرع نجوم الفيلم بالهرب من البلاتوه بينما بقي بعض العمال يقاومون النيران التي استمرت نصف ساعة والتهمت الديكور والأثاث ووصلت لجدران البلاتوه، ولم تترك شئ إلى وجعلته فحما ورمادا .. واستطاع عامل جرئ وهو عبد العزيز عبد الجواد يونس أن ينقذ كاميرا التصوير التي تزن 125 كيلو جرام، فقد حملها على كتفه وأسرع بها إلى الخارج.

ومن طرائف هذا الحريق، فقد كان الفنان محمد فوزي بالفعل يستعد للتصوير، قبل أن ينطق المخرج كلمة “أكشن”، وكان فوزي يستلقي على سرير حجرة النوم، وعندما شعر بالحرارة قبل أن يندلع الحريق قال فوزي ” المرتبة سخنة ليه” .. أما الفنان حسن فايق فقد خسر روب دي شامبر كان معلقا داخل البلاتوه، وهرب حلمي رفله ومساعده عاطف سالم إلى سقف البلاتوه فطاردتهما النيران .. وفور انشوب الحريق استنجد الأستوديو برجال المطافئ، وقد أتوا بعد نصف ساعة، ووجدوا عطلا في طلمبة المياة، فاستنجد رجال المطافئ بأحد المهندسين لإصلاحها، وبعد الإصلاح كانت النار قد أتت على كل شئ، واندفعت مياة رجال المطافئ بشدة نحو أحد المسئولين في الاستوديو فألقته على بعد مترين .

ومن الطريف أيضا أن الفنانه تحية كاريوكا كانت معجبة بحجرة النوم التي كان يتم فيها التصوير ، وكانت تنوي شراءها عقب الإنتهاء من تصوير الفيلم .

خسائر بالملايين.. وديكورات في مهب الريح

مرّت السنوات، لكن الحرائق ظلت ضيفًا ثقيل الظل على صناع الفن، ويأتى حريق بلاتوه الحارة باستوديو النحاس، والذي وقع عام 2016، ليتسبب فى خسائر تجاوزت 10 ملايين جنيه، وفوجئ العاملون وقتها بتصاعد الأدخنة من الطابق الثاني لبلاتوه الحارة الشعبية ، وكشفت التحقيقات أن سبب الحريق يرجع لتطاير شرارة لحريق نشب خارج أسوار أكاديمية الفنون قبل ساعتين من حريق البلاتوة المكون من طابقين من الخشب.

وأفادت التحقيقات بأن النيران التهمت بلاتوه الحارة الشعبية بالكامل، وتحول الجزء الواقع منه خلف سينما “رادوبيس” إلى رماد ، بمساحة 4 آلاف متر من إجمالى المساحة الكلية لمجمع الاستديوهات الذى تصل مساحته لما يقرب من ٩ أفدنه .

كما تضررت أيضا الحارة الشعبية بمجمع ستوديوهات شركة العدل جروب بمنطقة شبرامنت ، والذي تبلغ مساحته ٥ افدنه ، حيث اندلع حريق هائل تسبب فى خسائر كبيرة ، ودفعت الإدارة العامة للحماية المدنية في الجيزة حينها بنحو 10 سيارات إطفاء؛ للسيطرة على حريق الهائل الذي نشب في الاستوديو، وبعدها أصدرت شركة العدل بيانا جاء فيه: “الحمد لله على كل شيء اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها تعرضت حارة العدل بشبرامنت لحريق كبير”.

كما تعرض الحى الشعبي بمدينة الإنتاج الإعلامي ، وتحديدا لوكيشن تصوير فيلم الحب كله للفنانه الهام شاهين بحريق ولكن تم السيطرة عليه.

لكن الكارثه الحقيقية هى التى شهدها مطلع عام ٢٠٢٤ ، وأثناء تصوير عدد كبير من الأعمال الدراميه الخاصة بشهر رمضان ، حيث تعرض أكثر من بلاتوه للتصوير للحريق ، وكانت البداية مع مسلسل الكبير اوي الجزء الثامن ، للفنان احمد مكي ،

وقبل أيام من بدء موسم رمضان من نفس العام شب حريق بمنزل الكبير بمنطقة المنصورية ، بالديكور الرئيسي للمسلسل في بيت الكبير بالمزاريطة، حيث التهم الحريق أجزاءً كبيرة من الديكور دون وقوع أي إصابات بين العاملين أو الفنانين.

وفي الوقت الذى كان يحتفل فيه أهل الفن بالعام ال ٨٠ لانشاء ستديو الاهرام ، حدثت المأساة الكبرى التى قضت على تاريخ الاستديو ، ببلاتوهاته ووصل الأمر إلى العمارات السكنية المجاورة التى تضررت جميعها وتسبب الحريق حينها في خسائر مادية فادحة تجاوزت الملايين .

واندلع الحريق في الساعات الأولى من صباح يوم السبت ١٦ مارس ٢٠٢٤ ، داخل لوكيشن تصوير مسلسل “المعلم”، وامتد الحريق إلى 3 عمارات ومسجد كبير بالمنطقة، وأتى على مساحات خضراء محيطة بالاستديو.

وقبل الحريق بدقاًئق كان يتم تصوير بعض مشاهد مسلسل “المعلم” للفنان مصطفى شعبان، وانصرف فريق العمل بأكمله، وبقي داخل الاستديو عددا من مهندسي الديكور، وبحسب مصادر بالاستديو احترق الديكور بالكامل.

كما شهد لوكيشن تصوير مسلسل “جودر” بطولة الفنان ياسر جلال، نشوب حريق طفيف في أحد ديكورات العمل، وتم إخماده سريعا دون إصابات أو خسائر بشرية.

وفى شهر يونيو تمت السيطرة على حريق نشب في ستوديو جلال بحدائق القبة، الذي يتبع وزارة الثقافة، والذي يحتوي على معدات تصوير قيمتها تقدر بملايين الجنيهات، يُعد ستوديو جلال من بين أقدم وأعرق استوديوهات التصوير السينمائي في مصر والعالم العربي.

ظاهرة الحرائق لم تعد مجرد خبر عابر، بل أصبحت ملفًا مفتوحًا يحتاج إلى مراجعة شاملة للبنية التحتية لصناعة الدراما، قبل أن تمتد ألسنة اللهب إلى ما هو أثمن من الديكورات: ذاكرة الفن نفسها.

خبير الخدع السينمائية هاني فريد عبدالحى : “إحنا شغالين بعقلية القرن الماضي”

يكشف هاني فريد، أحد أبرز المتخصصين في الخدع السينمائية وتصميم مواقع التصوير في مصر، عن الأسباب الحقيقية وراء تكرار حرائق البلاتوهات، قائلاً:

سبب الحرايق يرجع لعدة أسباب، أغلبها “بيكون أثناء التجهيز والصيانة، قبل التصوير بيوم أو أثناء عمليات الصيانة نفسها”

ويشير إلى أن الظاهرة ليست وليدة اللحظة:

أول حريق بهذا الشكل كان سببه التنر المستخدم في الدهانات، لأنه بيترش بكمبروسور علشان الإنجاز في الوقت وكان في بلاتوه في المنصورية ناحية شبرا منت من أكتر من 20 سنة”

ويضيف موضحًا خطورة التنر:

التنر بيجف من بره، لكن الخشب بيشربه، وأي مصدر نار حتى بعد ساعات بتتسبب فى خراب كامل”

ويكشف فريد عن أن مواقع تصوير شهيرة دفعت ثمن هذا الإهمال:

مثل أمواج اتحرق والعدل نفس الكلام، وبره بيعملوا حاجات مختلفة تمامًا.

فجوة تكنولوجية في البنية التحتية

يرصد فريد اختلافًا جذريًا بين ما يجري في مصر وما يحدث في الخارج:

أول حاجة بطّلوها هناك هي الأساس الخشبي، بقوا يعملوا الأرضيات خرسانة، والواجهات بتتعمل خشب ضد النار، تتنفذ على الأرض وتترفع ببكرات، والخرسانه، بتبقى ثابتة طول العمر وكل اللي بيتغير هو الواجهة.

وقد يحدث الحريق عندما يتم استخدام خامات وأسلاك غير مطابقة في أغلب الأحيان.

ولايوجد سيستم إطفاء ذاتي إحنا شغالين على القرن الماضي

إجراءات مفقودة في مصر.. مفروضة في الخارج

يلفت فريد النظر إلى إجراءات السلامة الإلزامية عالميًا:

أي حد يسافر يشوف الناس بتعمل إنذار حريق، وتدريب قبل الأوردر لكل الكرو، علشان يتأكدوا من كل حاجة قبل ما حد يشتغل.

فعندما ابدأ أشتغل في مشاهد الأكشن أعمل معاينة، وأتأكد إن الدهانات جافة، وبعمل test قبل التصوير.

ويكشف عن تحركات نقابية غير مُفعّلة بالشكل الكافي:

النقابة عندنا نزلت تحذيرات لكن التنفيذ على الأرض حاجة تانية.

“التكلفة والسرعة هما العدو الحقيقي”

يستكمل هاني فريد كشف كواليس الإهمال الذي يتسبب في حرائق مواقع التصوير، مشيرًا إلى ثغرة أخطر مما يتوقعها الجمهور:

المشكلة كمان إنك تعاين وتمشى وبعد ما تخلص المعاينة يعملوا دهانات صيانة من وراك، وانت متعرفش، ومحدش يبلغك.

ويؤكد أن هذه الممارسة تدمّر فكرة الأمان بالكامل فلابد من إجراءات مراقبة من خلال شخص مسؤول يتابع بعد المعاينة، لأن الخطر مش وقت الشغل بس، الخطر الحقيقي هو اللي بيحصل بعد ما تمشي.

ويقترح حلًا بسيطًا لكنه غير مُطبق:

المنتج لازم ياخد يوم سماح غير مدفوع الإيجار للوكيشن، أو يشتغلوا ببلاستيك، ويستَنّوا لحد ما كل حاجة تجف.

ثم يضع إصبعه على جوهر الأزمة فيقول..

“التكلفة والسرعة هنا هم اللي بيعملوا ده الناس مستعجلة، وعايزين يخلصوا أسرع وأرخص، بس على حساب سلامة المكان والناس.”

ويختتم بخلاصة صادمة:

طالما مفيش التزام بتغيير الطريقة والعقلية المشكلة مش هتخلص.


اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

يسعدنا ويشرفنا مرورك وتعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading