فنون
العلاج بالفن.. حين تتحوّل الريشة إلى بلسم للروح

حوار: محمد خضير
لم يعد الفن مجرّد وسيلة للتعبير الجمالي، بل أصبح بابًا واسعًا للعلاج النفسي والتأهيل الاجتماعي، فيما يعرف اليوم بـ “العلاج بالفن” ، التقينا بالفنانة مروة قرعوني، مخرجة وممثلة لبنانية، تعمل في مجال العلاج بالفن والدراما منذ أكثر من عشر سنوات، وقدّمت ورش تدريبية وعلاجية في عدة دول منها لبنان، الإمارات، العراق، نيجيريا، ومصر.
بداية تقول .. انطلقت من خلفية مسرحية، وشاركت في عدد من الأعمال كممثلة ومخرجة، في المسرح خصوصًا، إلى جانب مشاركاتي في مهرجانات دولية وورش فنية مختلفة، وهذا التقاطع بين الفن الإبداعي والعمل العلاجي هو الذى شكّل هويتي المهنية، وجعلنى اقوم بتطوير أدوات فنية تُستخدم للتعبير الجمالي، وللدعم النفسي والتربوي والاجتماعي.
** ولماذا اخترتى مجال العلاج بالفن ؟
لإيماني العميق بدور الفن كوسيلة للتواصل، ولأنه أداة بتساعد الناس يعبروا عن مشاعرهم وأفكارهم بطريقة آمنة وبعيدة عن الأحكام.
** شاركتى بعدة بورش فى عدد من الدول العربية لكنك كررتى هذه التجربة أكثر من مرة بمصر فما السبب ؟
لتوافّر بيئة فنية مهتمة ومجتمع متفاعل جدًا مع هذا النوع من المبادرات، وكان في تفاعل كبير وإقبال فعلي بيأكد أن الناس فعلاً بحاجة لمساحات تعبيرية بتجمع بين الفن والوعي النفسي.
** وكيف نعرّف “العلاج بالفن” بشكل مبسّط ؟
العلاج بالفن هو أحد أنواع العلاج النفسي الذي يستخدم الفنون الإبداعية كوسيلة للتعبير عن الذات، خصوصاً عندما تكون الكلمات غير كافية.
فالشخص في هذه الجلسات لا يُطلب منه أن يكون فناناً محترفاً، بل أن يستخدم أدوات فنية كالرسم أو التمثيل أو الحكي للتواصل مع مشاعره الداخلية، و يساعد على الكشف عن مشاعر دفينة، والتعامل مع تجارب مؤلمة، وتحقيق نوع من التحرر النفسي.
** ما الفرق بين الفن كإبداع، والفن كوسيلة علاجية؟
الفرق الجوهري يكمن في “النية”، حين نمارس الفن كإبداع، فإننا نركّز على النتيجة: لوحة فنية، عرض مسرحي، قطعة موسيقية ، هدفها التقدير أو العرض أو التفاعل مع الجمهور، أما حين نستخدم الفن كوسيلة علاجية، فالنقطة الأساسية هي “العملية نفسها”، لا يهم أن تكون الرسمة جميلة أو المسرحية متقنة، بل ما يكشفه هذا التعبير من مشاعر داخلية.
** متى ظهر هذا النوع من العلاج؟
بصفته تخصّصاً علمياً، بدأ العلاج بالفن يتبلور في ثلاثينيات القرن العشرين، بالتزامن مع تطور مدارس التحليل النفسي.
لكن جذور العلاج بالفن أعمق بكثير فالفنون لطالما ارتبطت بالشفاء منذ الحضارات القديمة.
المصريون القدماء استخدموا الرموز والألوان في طقوسهم كوسائل تطهير وشفاء.
في الثقافات الإفريقية، الرقص والإيقاع لطالما اعتُبرا وسائل علاجية.
أما في الشام، فقد وُجدت رسوم على الجدران تعكس الألم أو الأمل، كمحاولة لتفريغ داخلي.
** ما أنواع الفنون التي يمكن استخدامها في هذا النوع من العلاج؟
العلاج بالفن يشمل مجموعة واسعة من الوسائط الإبداعية، منها: الرسم والتلوين ويستخدم بشكل كبير خصوصاً مع الأطفال والمراهقين. النحت ويمنح المريض شعورًا بالتحكم والسيطرة.
الموسيقى تؤثر على الجهاز العصبي وتُستخدم لتعديل المزاج وتنظيم الانفعالات.
الدراما والعلاج بالدراما (Drama Therapy) وسيلة فعّالة لاستعادة الحكاية الشخصية وإعادة كتابتها من زاوية أقوى.
الرقص والحركة وتُستخدم في علاج اضطرابات الأكل والصدمات الجسدية.
الكتابة الإبداعية والشعر وهما وسيلة لتسمية المشاعر وتفكيكها.
** هل هناك فئة عمرية معينة تستفيد أكثر من العلاج بالفن؟
العلاج بالفن فعّال لجميع الأعمار فالأطفال يستفيدون بشكل طبيعي لأنهم يعبّرون بالفن بشكل فطري ويساعد المراهقون على تفريغ التوتر والانفصال عن الضغوط الاجتماعية، أما الكبار فيستخدمونه لتجاوز أزمات، اضطرابات، أو صدمات مكبوتة.
و كبار السن يساعدهم على التعامل مع الشعور بالوحدة، فقدان الأحباب، أو فقدان الذاكرة (مثل الزهايمر).
** كيف تبدأ جلسة علاج بالفن؟ وهل يجب أن يكون الشخص لديه موهبة فنية؟
الجلسة تبدأ عادة بحديث بسيط عن المشاعر أو الأحداث الأخيرة، يتبعه تمرين فني، ويُطلب من الشخص “رسم شعوره اليوم”، أو “تلوين شكل يعبّر عن القلق”.
ولا حاجة لأي موهبة، الهدف ليس إنتاج لوحة فنية، بل الكشف عن المشاعر والتجارب المخفية، كل خط، كل لون، له معنى، والمعالج يقرأ هذه الرموز باحترام وتأنٍ.
** ما المدة الزمنية التي تحتاجها كل جلسة؟ وهل هناك خطة علاجية طويلة الأمد؟
الجلسة الواحدة تستغرق عادة بين 45 إلى 90 دقيقة، وخطة العلاج تختلف حسب الحالة، هناك من يحتاج إلى 10 جلسات، وآخرون إلى خطة علاجية تمتد 6 أشهر أو أكثر، خاصة في حالات الصدمة أو الفقدان أو الصعوبات الاجتماعية العميقة.
** هل يمكن إجراء العلاج بالفن بشكل جماعي؟ وما الفرق بين الجلسة الفردية والجماعية؟
نعم، العلاج الجماعي شائع جدًا، وله تأثير مضاعف أحيانًا، والجلسات الفردية تتيح خصوصية وتركيزًا على التفاصيل الدقيقة للحالة.
اما الجلسات الجماعية التى تقام على شكل ورش تحفّز التفاعل الاجتماعي، الإحساس بالدعم، والتعلّم من مشاعر وتجارب الآخرين.
** هل هناك قصص نجاح بارزة يمكن مشاركتها؟
في إحدى الورش، كان هناك شاب خجول جداً ولا يستطيع النظر في عيون الآخرين.
وعبر تقنيات الدراما والمسرح، بدأ يخرج من قوقعته، ومع نهاية الورشة، وقف على المسرح وقال جملة بسيطة أمام المجموعة، لكنها كانت “تحوّل” في مسار ثقته بنفسه.
** البعض يعتقد أن العلاج بالفن “ترف” وليس ضرورة… كيف ترين هذا الرأي؟
هذا اعتقاد خاطئ تماماً، في عالم يزداد فيه الضغط النفسي، يصبح العلاج بالفن ضرورة للصحة النفسية والعاطفية، فهو ليس كماليات، بل وسيلة للبقاء. من يعيش في بيئة حرب أو فقر أو صدمات، يحتاج إلى منفذ آمن لروحه، وهذا ما يقدّمه الفن.
** هل هناك تحديات في نشر هذا النوع من العلاج في المجتمعات العربية؟
نعم، التحديات تشمل ضعف الوعي العام حول الصحة النفسية.
وصمة العار المرتبطة بالعلاج النفسي، وقلة المعالجين المؤهلين، و عدم الاعتراف الرسمي بالمهنة في بعض الدول.
لكن مع تصاعد الأزمات والحروب والهجرة، بدأ الاهتمام يزداد، واصبح هناك طلب كبير على هذا النوع من التدخلات.
** كيف ترين مستقبل العلاج بالفن في العالم العربي وفي مصر خاصة؟
أراه واعداً جداً، الناس بدأت تعترف بحاجة الجسد والروح للشفاء معاً، مصر خاصة تملك قاعدة فنية غنية جداً، وإذا دُمجت بالفكر العلاجي الحديث، فستكون رائدة في هذا المجال في المنطقة.
اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









