فنون

اسرائيلى حرب اكتوبر : أنا أكثر نجومية من أحمد زكى

حوار : محمد خضير

معتز بالله حسنى : تركت كل شيء من أجل رغبة والدى

احمد مظهر وماجدة ” قالولى اللى عملته فى ثوانى .. معرفناش نعملة فى عشر سنين”

بسبب دورى فى الفيلم الجمهور استنانى بره سينما ديانا وكانوا عايزين يموتونى 

في ذاكرة السينما المصرية، تبقى بعض الأسماء رغم قلة أعمالها لارتباطها بلحظة فنية نادرة، أو دورٍ كان بمثابة الصدمة في وقته، من هؤلاء معتز بالله حسني، الشاب الوسيم الذي ظهر في فيلم العمر لحظة ، ليجسد شخصية الضابط الإسرائيلي الذي أثار موجة غضب جماهيرية في السبعينيات، حتى أعتبرة الناس إسرائيليًا بالفعل، الشاب الذي صدّقه الجمهور إلى حدّ الكره، ثم انطفأ نوره فجأة، كأن الحياة قررت أن توقف المشهد عند ذروته.

بعد نصف قرن، يجلس بهدوء ليتأمل، لا ماضيه الفني فقط، بل معنى الاختيار، ومغزى الخوف، وثمن الطاعة، يعود ليحكي، لا كفنانٍ يتحدث عن مجده، بل كإنسانٍ يتأمل قرارًا غيّر مسار حياته، حين اختفى وجهه من الشاشة، ظنّ الجميع أنه رحل، لكنه كان يعيش في كل مشهد من فيلم العمر لحظة، ورغم أن ملامحه الأوروبية كانت سبب شهرته، إلا أن خوف والده عليه كان سبب غيابه المبكر عن الساحة.

بين الصدفة التي قادته إلى ماجدة، وقرار الاعتزال المفاجئ، يدور هذا الحوار الإنساني.

■ في البداية.. كيف وقع عليك الاختيار لتجسيد شخصية القائد الاسرائيلى فى فيلم العمر لحظة؟

الفنانة ماجدة كانت قد نشرت إعلانًا في جريدة الأهرام تبحث فيه عن وجوه شابة جديدة، وكان واضحًا أن الدور الذي تبحث عنه يحتاج لملامح غير تقليدية، كنت وقتها أعلم أن فيلم العمر لحظة يتناول الصراع العربي الإسرائيلي، فاستنتجت أن المطلوب شخصية أجنبية، أمريكية أو إسرائيلية، وكنت أملك ملامح تناسب ذلك: شعري طويل ولونه أصفر، وعيناي زرقاوان.

ذهبت إلى شركة الإنتاج بشارع شريف، وهناك وقعت المفاجأة، الفنانة ماجدة اختارتني فورًا دون أي اختبارات أو نقاش، وطلبت من مدير مكتبها الأستاذ عطية أن يمضي معي العقد في الحال.

■ كيف كان انطباعك عندما قابلت الفنانة ماجدة وجهًا لوجه؟

كانت سيدة صارمة جدًا، لكنها تمتلك حنانًا خفيًا، نظرت إليّ نظرة واحدة وقالت: ” هو ده”، لم تسألني عن خبرتي ولا عن خلفيتي، فقط رأت فيّ ما تبحث عنه، وقتها أدركت أن في السينما شيء لا يُفسَّر بالعقل، بل بالإحساس.

■ وما الذى حدث بعد أنهاء المقابلة؟

كانت الفنانة ماجدة متحمسة لي جدًا، بعد استيفاء كل الأوراق، طلبت منى أن أجهز نفسي لأن سيارة الإنتاج ستمر عليّ في اليوم التالي للتصوير في عيون موسى.

لكن بعد أن عدت إلى المنزل انتابني خوف شديد، وشعرت برعب من خوض التجربة، وطلبت من أسرتي أن يقولوا لهم إنني غير موجود حين تصل السيارة!

وبعد ساعات من الانتظار، غادر فريق العمل.

الغريب أنني في اليوم التالي كنت أتجول بشارع عبد الخالق ثروت، فوجدت سيارة الإنتاج بالصدفة، وانقضّ عليّ أحد أفراد الفريق، واتصل بأسرتي وأخذوني معهم “بالعافية” إلى موقع التصوير!

■ في أول يوم تصوير، كنت ترتدي زيّ العدو في أرضٍ مقدّسة بالدم.. هل شعرت بأنك تمثل، أم بأنك تخوض تجربة وجودية؟

كنت غريبًا تمامًا، كأن الأرض ترفضني، نظرات الجنود كانت كافية لتجعلني أشكّ في نفسي، لكن الغربة منحتني صدقًا لم أعرفه من قبل.

فلم أشعر بالخوف من الدور بقدر ما خفت من رد فعل الناس بعد العرض، كنت مدركًا أن الجمهور لن يفرّق بسهولة بين الممثل والشخصية، خاصة في زمن ما بعد الحرب، لكن ماجدة وراضي أقنعاني أن الجرأة جزء من الإبداع، وأنني أقدم خدمة للفن والوطن من خلال التمثيل، فالمشهد كان صعبًا جدًا في عيون موسى، شعرت بأنني فعلاً غريب في أرض معركة، وهو إحساس ساعدني على أداء الدور كما أرادوه بالضبط.

■ كيف كانت أجواء العمل مع ماجدة والمخرج محمد راضي؟

كانت تجربة ممتعة، الفنانة ماجدة كانت تؤمن بي إيمانًا كبيرًا، والمخرج محمد راضي منحني ثقة كبيرة، ماجدة كانت تجمع بين الحزم والحنان، بين الصمت والتوجيه، فكانت تعرف بالعين ما لا يمكن قوله بالكلام، شعرت معها أن السينما ليست حرفة، بل نوع من الإيمان وبعد انتهاء التصوير، أقامت ماجدة حفل عشاء بسيط بالسويس، وكان من الحاضرين الفنان أحمد زكي.

اقترب ليجلس إلى الترابيزة التي أجلس عليها مع ماجدة والمخرج راضي، فطلبت منه بلطف أن يجلس على طاولة أخرى، في تلك اللحظة كنت أرى نفسي أكثر نجومية منه، خاصة بعد ما حظيت به من إشادة وحفاوة، كنت ابن باشا، وكنت أشعر أن الطريق مفتوح أمامي تمامًا.

■ قلت إنك أكثر نجومية من أحمد زكي في تلك اللحظة.. أهو غرور البدايات؟

ربما كان مزيجًا من الحلم والغرور،كنت ابنًا مدللاً، شابًا وسيمًا، الكل يشيد بي، فتوهمت أنني وصلت للنجومية، لكن ما لم أكن أعرفه أن الضوء أيضًا يمكن أن يعمي، كنت أظن أن النجومية صعود، ثم اكتشفت أنها اختبار للنزول بأقل خسائر ممكنة.

■ العمر لحظة كان اخر عمل فنى شاركت به لكن اعلم انك شاركت في أكثر من عمل فنى قبله فما هى ؟

نعم، كانت البداية من خلال مشاركتى في مسلسل باب زويلة بعد أن رأنى المخرج نور الدمرداش مع أحد اقاربى بالتليفزيون، فلفتت نظرة واقترب منى وقال لى ” مش عايز تمثل ” ففرحت وقولت ” ياريت ” فطلب منى الحضور مبكرا باستديو الاهرام، وقدمت عدة مشاهد بالمسلسل، وهناك نبهني المخرج نور الدمرداش إلى أنني أصلح للعالمية، ثم توالت الاعمال مسلسل ” هل تشفينى يا دكتور” مع الفنان القدير محمود مرسى، وشاركت في فيلم “شفيقة ومتولي ” باختيار من المخرج يوسف شاهين، وجسدت فيه شخصية قائد أجنبي، وكانت أدوارًا تثبت أنني كنت على الطريق الصحيح.

 

■ ردود الفعل على دورك في العمر لحظة كانت عنيفة جدًا، احكِ لنا ما حدث في أول عرض؟

في أول عرض للفيلم في سينما “ديانا”، فوجئت بالجمهور يهاجمني بشراسة، والناس “شتمتني بأقذر الألفاظ”، وكادوا يعتدون عليّ بالضرب! كانوا مقتنعين تمامًا أنني إسرائيلي بالفعل، وقتها كتمت دموعي بصعوبة، لكن الفنان أحمد مظهر والفنانة ماجدة طمأناني وقالا لي: “قوم حيّي الناس، ده دليل نجاحك.. اللي عملته في ثواني مقدرناش نعمله في سنين”.

■ كم كان عمرك وقتها؟ وكيف كان موقف والدك من التجربة؟

كنت في الثلاثين من عمري، والدي لم يكن مبسوطًا، وخاف أن تؤثر التجربة عليّ.

الغريب أنه ذهب يومًا إلى السينما لمشاهدة الفيلم، لكنه وجدها “كومبليت”، فقال لهم: “ابني هو اللي عامل دور الإسرائيلي”، فرحبوا به جدًا وأدخلوه، وخرج منبهرًا من استقبال الناس له، لكن خوفه لم يقلّ، وبعدها قرر أن يبعدني عن المجال نهائيًا، وزوجني من ابنة عمي وأسند لي إدارة الأراضي والممتلكات.

■ هل صحيح أنك رُشحت لعمل أجنبي بعد الفيلم؟

نعم، عُرض عليّ فيلم إيطالي، لكنني لم أعلم بالأمر إلا بعد شهور طويلة، لأن والدي أخفى عني خطاب شركة الإنتاج خوفًا عليّ، اعترف لي بذلك بعد وقت طويل جدًا، وكانت لحظة مؤلمة لأنني أدركت أن بابًا عالميًا ربما كان قد فُتح أمامي وأُغلق دون أن أعلم.

■ ألم تندم على الابتعاد في قمة تألقك؟

أكيد ندمت، ندمت أشد الندم، كانت الساحة مفتوحة أمامي، وكل من حولي كان يراني نجمًا له مستقبل كبير، لكني اخترت رغبة والدي وابتعدت، وبعد مرور كل هذه السنوات، أدرك أن ما حققته في لحظات قصيرة ربما لا يحققه غيري في سنوات، لكنه لم يكتمل.

■ كيف ترى مقارنة دورك بدور الفنان محيي إسماعيل في الرصاصة لا تزال في جيبي، وهو أيضًا جسّد شخصية إسرائيلية؟

الفنان محيي إسماعيل نجم في مكانه، ولا مقارنة بيننا لأن كل شخصية كانت مختلفة، لكن أعتقد أنني كنت أكثر حظًا منه من حيث ردود الفعل والشهرة التي حققتها أثناء عرض الفيلم، لكن حظي السيئ كان في التقاعد المبكر، الذي جعل كل ما بنيته يختفي سريعًا.

■ كيف كانت حياتك بعد الانسحاب من الأضواء؟

هادئة جدًا، لكنها خالية من النبض، كنت أعيش بين الحقول والمكاتب، والاملاك التى تركها لى والدى، وكلما سمعت موسيقى فيلم أو شاهدت ماجدة على الشاشة، كنت أشعر أن جزءًا مني يعيش هناك، في الكادر الذي تركته.

■ أخيرًا.. بعد نصف قرن من الصمت.. ما الذي بقي منك داخل ذاك الشاب الذي حمل نظرات العدو ووجع الوطن؟

أراها درسًا في أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الخوف يمكن أن يسرق الأحلام الكبيرة، كنت على وشك أن أكون نجمًا، وربما أصل للعالمية، لكنني اخترت الطمأنينة على المغامرة، ومع ذلك، يبقى ما قدمته في العمر لحظة كافيًا لأن يخلّد اسمي بين الذين تركوا أثرًا لا يُنسى في ذاكرة السينما المصرية.


اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

يسعدنا ويشرفنا مرورك وتعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading