فنون

أحمد نبيل: التكريم فى بلدى له شعور تانى.. والبانتومايم علّمنى أن “أُحسّ” أكثر مما أتكلم

حوار: محمد خضير

رغم سنوات الغياب الطويلة، لم يغب الفنان الكبير أحمد نبيل عن ذاكرة محبيه، ولا عن ذاكرة فن البانتومايم، ذلك الفن الذى أخلص له وأفنى سنوات عمره من أجله، مؤمنًا بقوة الحركة في التعبير، ومتيقنًا أن الصمت أبلغ من ألف كلمة، فى هذا الحواريفتح قلبه لنا، ويتحدث عن التكريم، والاعتزال، والذكريات، والخذلان، والأمل الذى لا ينطفئ.

** هل شعرت أن تكريمك الأخير بالمهرجان القومى للمسرح المصري جاء متأخرًا؟

اطلاقا، ولا يهمنى إذا كان التكريم متأخر أو مبكر، لأننى اتكرمت كثيرا جدًا، وأول تكريم لى كان سنة 1972، واتكرمت فى الاتحاد السوفيتى، وجامعة جنيفا، وفى الهند، وأستراليا، وعمان، والكويت، والبحرين، وتونس، وفى 2010 اتكرمت فى مهرجان سينما الأطفال، وفى 2023 اتكرمت فى مهرجان الدراما بالعلمين، لكن التكريم فى بلدى له شعور مختلف تمامًا، شعور خاص لا يعوّض.

** لحظة صعودك للمسرح.. هل استعدت شيئًا من ذكرياتك القديمة؟

(ضاحكًا): طبعًا.. استقبال الجمهور لى كان دافئ جدًا، رجّعنى لأكتر من 30 سنة ورا، ووقتها قررت أقدم لهم هدية، مفيش أحسن من الورود، فقررت أقدّم فقرة بانتومايم، وفعلاً أديتها، وكانت لحظة سعيدة لى وللحضور.

** لماذا ابتعدت عن الساحة الفنية كل هذه السنوات؟

ليس ابتعاد، ولكنه قرار اعتزال، ففى 2012، اخذت هذا القرار لاننى لم اجد نفسي على الساحة، ولم اجد لى مكانا وسط عمالقة التمثيل، ولا وسط النجوم الجداد، أنا اشتغلت وسط عمالقة مثل وحش الشاشة فريد شوقى، والمليجى، وعادل إمام، وكنا بنتعامل بتفاهم واحترام.

** لكن الزمن لن يقف عند هؤلاء النجوم فالزمن يتغير وجيل بيسلم جيل؟

بالتأكيد “وانا قولت كدة لازم اسلم الراية للجيل الجديد” لان الاحنرام اساس الاستمرارية، لكنه سقط من حسابات بعض الجيل الجديد، وافتقدوا للنصائح بحجة أن الزمن اختلف وطريقة الاسلوب والاداء لا تتناسب مع هذه المرحلة، فهذا الجيل لايقبل النصيحة” وشايفين” انهم عارفين وفاهمين، فقررت احترم نفسى الى جانب عدم التقدير فى تسكين الادوار.

** هل عدم التقدير فى توزيع الأدوار كان سببًا فى اعتزالك؟

طبعًا الإنتاج كان بيبعت لى دورى من غير حتى ما أعرف طبيعة العمل، والبروفات كانت بتاخد وقتا طويلا زمان، على عكس هذه الايام ممكن تطلع بمسرحية فى 3 أيام، وآخرعرض لى كان على مسرح سيد درويش فى إسكندرية، وهو نفس المكان اللى بدأت منه، وهناك خدت قرار الاعتزال.

** ماذا فعلت بعد الاعتزال؟

درّست مادة البانتومايم فى جامعة الإسكندرية قسم المسرح، وفى الجامعة الأمريكية، وسافرت ألمانيا لتقديم عروض، وشاركت بورش فى النمسا، وشاركت فى لجان تحكيم.

** هل “الشللية” كانت سببا فى اتخاذ هذا القرار؟

طبعًا.. الشللية بتتحكم فى كل حاجة، البطل والبطلة هما اللى بيرشحوا باقى الممثلين، وأنا عمرى ما طلبت من مخرج أو فنان إنى أشتغل، كنا بنشتغل بقيمة وتقدير معنوى ومادى.

** كيف كانت ردة فعل أسرتك عند اتخاذك قرار الاعتزال؟

لم يجبرونى على الاستمرارية، وتركوا لي حريتى الشخصية، أنا راضٍ عن مشوارى، ورغم كل شىء، أفتخر أننى كنت جزءًا من مشهد فنى محترم، وقدمت فنًا نادرًا لا يُقدره إلا من يفهمه.

** عندما يتخذ الفنان قرار اعتزال يكون قد أمن نفسه بمشروع او مصدر دخل اخر يعينة على المعيشة فماذا عنك؟

كان عندى دخل ثابت من معاش وزارة الثقافة، والتدريس، وابنتى “رولا” وابنى “كريم” قالولى: “طالما القرار بيرضيك، إحنا معاك”.

** وما هوآخر عمل شاركت فيه؟

كان مع شركة “صوت القاهرة”، وآخدت أجرى بعد سنة كاملة، ولم احصل عليه إلا بتدخل الفنان أشرف عبد الغفور.

** بدايتك كانت مع ثلاثي أضواء المسرح؟

فعلاً.. بدأنا مع بعض قبل تكوين الفرقة سنة 1967 الرئيس جمال عبد الناصر وقتها اتفق مع المخرج محمد سالم إن المسارح تنور، وافتتحنا مسرح الشاطبى بعرض “حواديت”، وبعدها بدأت الفوازير، وفى 1968 اتكونت الفرقة رسميًا، وبعد رحيل الضيف أحمد، عملت مسرحيتين، لكن جاءت لى منحة الاتحاد السوفيتى وسافرت.

** لكن صرحت من قبل بأن انفصالك عن الفرقة كان سببه خلافات مع الفنان جورج سيدهم ؟

بعد وفاة الضيف، المخرج محمد سالم كان لديه رغبة شديدة أن استمر مع الفرقة، لكن جورج رفض، وكان من وجهة نظره منطقى، لأنى كنت صغير وصوتى ضعيف، فملاقتش مكانى، بعدها سافرت روسيا، ودرست فن إخراج البانتومايم، وابتديت أقدمه باحتراف.

** كيف بدأت رحلتك مع فن البانتومايم؟

كنت بحب الحركة أكتر من الكلمة من صغرى، وكنت معجب جدًا بشارلى شابلن، ولوريل وهاردى، وجيرى لويس، ورحلتي مع البانتومايم بدأت من الطفولة، لكن الوعى به جاء تدريجيًا كنت وأنا صغير بقلد المدرسين، بحب الحركة والتقليد، مكنتش فاهم إن ده اسمه “بانتومايم”، لكن كنت حاسس إن جسدي بيتكلم أكتر من لساني، ولما جات لى منحة من الاتحاد السوفيتى، اتجهت لدراسة البانتومايم بشكل أكاديمى، وهنا اتحول الشغف لاختيار واعٍ.

** لكن التعبير بالحركة أصعب من الكلمة؟

أكيد البانتومايم محتاج إحساس عالى، ولو الجمهور مفهمكش، تبقى فاشل، زمان كنت بعمل فقرة فى برنامج “6 على 6” مع نجوى إبراهيم بعنوان “نبيل بيعمل إيه؟” والناس كانت بتتفاعل وتفهم.

** لماذا اخترت فن البانتومايم تحديدًا، رغم أنه لا يحظى بالانتشار الواسع في العالم العربي؟

لأنى وجدت فيه ذاتى الحقيقية، البانتومايم ليس فن صامت، هو لغة عالمية تعتمد على الصدق والإحساس، صحيح مش منتشر عندنا، لكن الإحساس بالفن مش لازم يبقى جماهيرى علشان يكون مهم، البانتومايم أتاح لى الحرية والقدرة على التعبير لا حدود لها.

** كيف يتفاعل الجمهور مع البانتومايم؟

هو فن محتاج ثقافة خاصة، لكن الجمهور لما بيشوفه ويفهمه، بيتفاعل جدًا.

** وكيف تصنع فكرة العرض؟

من أيام الجامعة وأنا بألف أفكار العرض، كنت بعمل عرض ساعتين، 4 فقرات واستراحة و4 اخرين، وكلها مستوحاة من الواقع، مثل مسرحية “يا نيل يا عين” كانت من رؤيتى وإخراجى، وكمان فيلم “الحرب والسلام” وكان مدتة 4 ساعات واقتبست فكرته وقدمتها فى 11 دقيقة بانتومايم.

** في ظل غياب الصوت، ما هي أدوات الممثل في توصيل الفكرة والمشاعر؟

الجسد هو كل شيء، الإيماءة، تعبير الوجه، الإيقاع، التنفس، حتى الصمت نفسه، لازم تكون صادق جدًا علشان الجسد ينقل كل حركة محسوبة وليها معنى.

** كيف تتعامل مع “الصمت” كوسيلة فنية؟ هل هو تحدٍ أم مساحة حرية؟

الصمت أحيانًا بيقول أكثر من الكلام، هو مساحة حرية وتأمل، الجمهور لما يسكت معاك، وتحس إنك وصلت له من غير ما تنطق، ده إحساس صعب أن يوصف.

** ما الفرق بين الأداء الحركي في البانتومايم وبين التعبير الجسدي في التمثيل التقليدي؟

البانتومايم يعتمد كليًا على الجسد كوسيلة تواصل، لاتوجد شبكة أمان اسمها حوار، فأى خطأ فى الحركة واضح جدًا، أما التمثيل التقليدى فيه مزج بين الصوت والجسد، وهذا بيخفف الضغط.

** هل تستعين بموسيقى معينة أثناء عروضك؟ وما تأثيرها في خلق الإيقاع؟

أحيانًا، وبتكون خيط خفى بينى وبين المتفرج، الموسيقى ممكن تعزز المشهد، لكن لا تغطى عليه، أنا أؤمن إن البانتومايم يقدر يشتغل لوحده، لكن الموسيقى أداة مساعدة فعالة.

** هل شعرت يومًا بأنك تغرد خارج السرب باختيارك هذا الفن الصامت وسط فنون تعتمد على الصوت والحوار؟

طبعًا، كأنى بمشى عكس التيار، لكن عمري ما ندمت، لانى بشتغل حاجة مؤمن بيها، ما بيبقاش فارق معاك عدد الجمهور، قد ما يفرقك إنك بتقدّم حاجة صادقة.

** كيف يتفاعل الجمهور العربي مع عروض البانتومايم؟ وهل اختلفت ردود الأفعال من بلد إلى آخر؟

ردود الأفعال بتختلف طبعًا، فى بعض الدول مثل البحرين والمغرب وتونس الجمهور متذوق جدًا، وفاهم لهذا، وفى أماكن تانية كنت ببذل مجهود أكبر علشان أوصل الرسالة لكن الجمال فى البانتومايم إنه بيقدر يكسر الحواجز.

** هل تعتقد أن البانتومايم يحتاج إلى “ثقافة مُشاهِد” خاصة لفهمه وتقديره؟

نعم، هو محتاج استعداد ذهني وانتباه، لكن مش لازم يكون المتفرج مثقف بالمعنى الأكاديمي، أحيانًا الأطفال بيفهموا البانتومايم أكثر من الكبار، لأنهم بيشوفوا بقلوبهم.

** كيف تصوغ فكرة العرض؟ وهل تكتب السيناريو الحركي مسبقًا أم تعتمد على الارتجال؟

بشتغل على فكرة أولًا، وأكتبها كخط درامى، بعد ذلك اقوم برسم المشاهد حركيًا، “Storyboard”، وبشتغل على البروفات بشكل دقيق، فيه مساحة بسيطة للارتجال، بس القاعدة الأساسية جاهزة ومحسوبة.

** هل هناك رموز أو بنية سردية خفية تحرص على استخدامها في عروضك؟

أكيد باستخدم رموز القناع، اليد، المرايا، النور والظل، وبحب أشتغل على البنية التى فيها تصاعد وانكسار، كمنحنى الحياة، البانتومايم مثل القصيدة، كل تفصيلة محسوبة.

**كيف تختار مواضيع أعمالك؟ وهل تستلهم من الواقع أم من الخيال؟

الواقع دايمًا هو مصدر إلهامى الأول. حتى لو استعنت بالخيال، فهو خيال مرتبط بحياة الناس. قدمت مسرحية “يا نيل يا عين” عن النيل والحياة، و”الحرب والسلام” اختزلتها فى ١١ دقيقة ببانتومايم.

** ما أصعب موقف تعرضت له؟

فى البحرين كنا بنعرض مسرحية “عزبة الورد”، وكان المفروض فيه معزة تدخل العرض، لكن جابوا لنا جدى ضخم، والضيف أحمد كان لابس جاكت أحمر، ولما دخل، الجدى هجم عليه ووقع كل الديكور!

** ما الذى غيره البانتومايم فيك؟

علّمنى الإحساس.. أنى أُحسّ أكتر مما أتكلم، وفهمت أن الحركة أبلغ من الكلمة.

** من تراه خليفتك فى فن البانتومايم؟

للأسف، لا أحد، درّست لكثير من الطلبة، لكنهم لم يتقنوا هذا الفن، فبعد أن عجت من منحة الاتحاد السوفيتى قدمت فقرات بكلا من الفنان فاروق الفيشاوى وسمية الالفى واحمد حلاوة، لكنهم اختاروا سكة التمثيل التقليدى، بعد ذلك قدمت30 حلقة بعنوان “إحنا فين”، بالفنان محمد محمود ومحمود عامر، وقدمت لهم فى البداية محاضرات لكن مفيش حد استمر الكل راح للتمثيل التقليدى، لأن البانتومايم فى مصر غير مربح.

**هل هناك لحظة شعرت فيها أن البانتومايم غيّرك على المستوى الشخصي؟

كل لحظة. البانتومايم جعلنى أكثر هدوءًا، أكثر إحساسًا، وأكثر وعيًا بالجسد والروح. علّمنى الإنصات للداخل، بدل الاعتماد على الضجيج الخارجى.


اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

يسعدنا ويشرفنا مرورك وتعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من بي بي سي مصر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading